الغزالي
119
إحياء علوم الدين
فما على بدنه شيء إلا وهو طعمة الدود ، وما له من نفسه إلا العلم والعمل الخالص لوجه الله تعالى . وكذلك يتفكر فيما سنورده من عذاب القبر ، وسؤال منكر ونكير ، ومن الحشر ، والنشر ، وأهوال القيامة ، وقرع النداء يوم العرض الأكبر . فأمثال هذه الأفكار هي التي تجدد ذكر الموت على قلبه ، وتدعوه إلى الاستعداد له بيان مراتب الناس في طول الأمل وقصره اعلم أن الناس في ذلك يتفاوتون . فمنهم من يأمل البقاء ويشتهي ذلك أبدا . قال الله تعالى * ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) * « 1 » ومنهم من يأمل البقاء إلى الهرم وهو أقصى العمر الذي شاهده ورآه . وهو الذي يحب الدنيا حبا شديدا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « الشّيخ شابّ في حبّ طلب الدّنيا وإن التفّت ترقوتاه ) * « 2 » من الكبر إلَّا الَّذين اتّقوا وقليل ما هم » ومنهم من يأمل إلى سنة ، فلا يشتغل بتدبير ما وراءها ، فلا يقدر لنفسه وجودا في عام قابل . ولكن هذا يستعد في الصيف للشتاء ، وفي الشتاء للصيف . فإذا جمع ما يكفيه لسنته اشتغل بالعبادة . ومنهم من يأمل مدة الصيف أو الشتاء ، فلا يدخر في الصيف ثياب الشتاء ، ولا في الشتاء ثياب الصيف ومنهم من يرجع أمله إلى يوم وليلة ، فلا يستعد إلا لنهاره ، وأما للغد فلا . قال عيسى عليه السلام : لا تهتموا برزق غد ، فإن يكن غد من آجالكم فستأتي فيه أرزاقكم مع آجالكم وإن لم يكن من آجالكم فلا تهتموا لآجال غيركم ومنهم من لا يجاوز أمله ساعة ، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم « يا عبد الله إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصّباح »
--> « 1 » البقرة : 96 « 2 » الترقوة : مقدم الحلق في أعلى الصدر حيثما يترقى فيه النفس